محمد متولي الشعراوي

5800

تفسير الشعراوى

وَقالُوا أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ « 1 » أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ ( 10 ) [ السجدة ] رغم أن الكون الذي نراه يحتّم قضية البعث ؛ لأننا نرى أن لكل شئ دورة ، فالوردة الجميلة الممتلئة بالنضارة تذبل بعد أن تفقد مائيّتها ، ويضيع منها اللون ، ثم تصير ترابا . وأنت حين تشم الوردة فهذا يعنى أن ما فيها من عطر إنما يتبخر مع المياه التي تخرج منها بخارا ، ثم تذبل وتتحلل بعد ذلك . إذن : فللوردة دورة حياة . وأنت إن نظرت إلى أي عنصر من عناصر الحياة مثل المياه سوف تجد أن الكمية الموجودة من الماء ساعة خلق اللّه السماوات والأرض هي بعينها ؛ لم تزد ولم تنقص . وقد شرحنا ذلك من قبل . وكل شئ تنتفع به له دورة ، والدورة تسلم لدورة أخرى ، وأنت مستفيد بين هذه الدورات ؛ هدما وبناء . والذين لا يرجون لقاء اللّه ، ولا يؤمنون بالبعث ، ولا بثواب أو عقاب ، لا يلتفتون إلى الكون الذي يعيشون فيه « 2 » ؛ لأن النظر في الكون وتأمّل أحواله يوجب عليهم أن يؤمنوا بأنها دورة من الممكن أن تعود . وسبحانه القائل :

--> ( 1 ) ضللنا في الأرض : قال أبو منصور : الأصل في كلام العرب أن يقال : أضللت الشئ إذا غيّبته ، وأضللت الميت : دفنته . فالضلال من معانيه : الفساد والعصيان ونقيض الهداية والرشاد . ومن معانيه : التغييب والدفن . فكأنهم يقولون : « إذا دفنّا وغيّبنا تحت الأرض . . فهل نحيا من جديد ؟ » فيردّ عليهم الحق سبحانه بقوله : وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ . . ( 27 ) [ الروم ] . [ لسان العرب : مادة ( ضلل ) - بتصرف ] . ( 2 ) وقد حكى اللّه تعالى عنهم هذا فقال : وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ ( 105 ) [ يوسف ] ويقول سبحانه : وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ ( 32 ) [ الأنبياء ] .